مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

101

تفسير مقتنيات الدرر

والقسم الثاني هم الَّذين أجابوهم بقولهم : « كم من فئة ، الآية » * ( [ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّه ِ ] ) * قيل في « يظنّون » معناه يستيقنون والظنّ استعملوه في اليقين . وقيل : إنّ معنى الظنّ في الآية : يحدّثون نفوسهم وهو أصل الظنّ لأنّ حديث النفس بالشيء قد يكون مع الشكّ وقد يكون مع العلم إلَّا أنّه قد كثر على ما كان مع الشكّ * ( [ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ] ) * أي كثير من الفئات القليلة غلبت الفئات الكثيرة « والفئة » اسم للجماعة من الناس قلَّت أو كثرت والجمع : فئون وفئات * ( [ بِإِذْنِ اللَّه ِ ] ) * وحكمه وتيسيره فمن نصره لا يذلّ وإن قلّ عدده ولا يعزّ من خذله وإن كثر استعداده * ( [ وَاللَّه ُ مَعَ الصَّابِرِينَ ] ) * بالنصرة على العدوّ . قال الراغب : في القصّة مثال للدنيا وأبنائها ، فإنّ من يتناول قدر ما يبتلغ به اكتفى واستغنى وسلَّم منها ونجا ومن تناول منها فوق ذلك ازداد عطشا ولهذا قيل : الدنيا كالملح من ازداد منها عطش . وفي الحديث لو أنّ لابن آدم واد بين جبلين من ذهب لابتغى إليهما ثالثا فلا يملأ جوف ابن آدم إلَّا التراب . وأوحى اللَّه إلى داود يا داود تريد وأريد فإن رضيت بما أريد كفيتك ما تريد وإن لم ترض بما أريد أتعبك ثمّ لا يكون إلَّا ما أريد . قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله في وصيّته لأبي هريرة : يا أبا هريرة كن بطريق أقوام إذا فزع الناس لم يفزعوا وإذا طلب الناس الأمان من النار لم يخافوا . قال أبو هريرة : ومن هم يا رسول اللَّه ؟ قال : قوم من امّتي في آخر الزمان يحشرون محشر الأنبياء إذا نظر الناس إليهم ظنّوهم أنبياء ممّا يرون من حالهم حتّى اعرّفهم أنا فأقول امّتي ، فيعرف الخلائق أنّهم ليسوا أنبياء فيمرّون مثل البرق أو الريح يغشى أبصار أهل الجمع من أنوارهم فقلت : يا رسول اللَّه مرني بمثل عملهم لعلَّي ألحق بهم فقال : يا أبا هريرة ركب القوم طريقا صعبا آثروا الجوع بعد ما أشبعهم اللَّه ، والعرى بعد ما كساهم اللَّه ، والعطش بعد ما أرواهم اللَّه تركوا ذلك رجاء ما عند اللَّه تركوا الحلال مخافة حسابه فصحبوا الدنيا بأبدانهم ولم يشتغلوا بشيء منها ، عجبت الملائكة والأنبياء من طاعتهم لربّهم طوبى لهم وددت أنّ اللَّه جمع بيني وبينهم ثمّ بكى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله شوقا إليهم .